السيد نعمة الله الجزائري

18

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

قوله « إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » ولا ينافيه ما استفاض من نزوله في مدة ثلاث وعشرين سنة منجما ، لأن المراد ابتداء نزوله كان في ليلة القدر ، كما قيل ، أو المراد أنه أنزل في فرضه ، وإيجاب صومه على الخلق القرآن ، فيكون فيه بمعنى في فرضه ، كما يقول القائل أنزل اللّه في الزكاة كذا ، يريد في فرضها ، أو أنه نزل جملة ، ليلة القدر إلى السفرة ، أو إلى سماء الدنيا ، ثم نزل منجما ، وقال الصدوق ( ره ) تكامل نزول القرآن في ليلة القدر ، ويفهم من تتبع الأخبار معنى آخر ، وهو أنه نزل عليه صلّى اللّه عليه واله وسلّم قبل البعثة جملة ، ليتعبد به ، ولعله كان في ليلة القدر ، ثم نزل بعد البعثة مفصلا على حسب المصالح ، ويؤيده ما روي أنه صلّى اللّه عليه واله وسلّم كان يسبق جبرئيل بتلاوته ، حتى نزل قوله تعالى : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ، وأما تسمية هذه الليلة بهذا الاسم ، فإما باعتبار أن القدر بمعنى التقدير ، لأنه تعالى يقدر فيها جميع أمور السنة ، بحكم قوله تعالى : فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . وفي الحديث أن اللّه تعالى قدر فيها السماوات والأرض وولاية أمير المؤمنين عليه السّلام ، أو لأن القدر بمعنى الشرف والخطر ، لأن لها قدرا وشرفا عند اللّه تعالى ، ولصاحبها إذا أطاع اللّه فيها ، أو للطاعات فيها لتضاعيفها وعظمها ، أو لأنه أنزل فيها كتاب ذو قدر ، إلى رسول ذي قدر ، لأجل أمة ذات قدر ، على يدي ملك ذي قدر ، وقيل مأخوذ من القدر بمعنى الضيق ، من قوله : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ، لأن الأرض تضيق بالملائكة ، وأما أنها آية ليلية ، فقد أجمع أصحابنا رضوان اللّه عليهم على أنها إحدى الليالي الثلاث المشهورة ، وأكثر الأخبار دالة على انحصارها في أخيرتها ، بل ادعى شيخ الطائفة في التبيان عليه الإجماع ، ويستفاد من بعض الأخبار طريق لجمع الأخبار دال على أن لكل ليلة من الليالي الثلاث مدخل في التقدير ، ففي الأولى تقدير الأمور ، وفي الثانية يكون امضاؤها ، قال أستاذنا العلامة لما اقتضت حكمته البالغة توجه الخلق إلى جنابه ، قدر للأمور تقديرات ، وقدر للتقديرات مراتب مختلفة ، ففي المرتبة الأولى من التقدير يمكن تغير ما قدر من سوء القضاء ، أسهل من كونه في المرتبة الثانية ، وتغيره في الثانية أسهل منه في الثالثة ، كما في أحكام الملوك والسلاطين ، تعالى عن المشاكلة ، فإن فيها مراتب في الحكم وقبول في التغير إلى أن تنتهي إلى التزين بخاتم الملك ، فعند ذلك يعسر تغيره ، فكذا تغير ما قدره وأحكمه